بعد أيام من انتظار ما وُصف بـ"أكبر عملية تغيير في سياساتها وبرامجها ووجوهها"؛ أطلّت "الجزيرة" في عيدها الثالث عشر بحلّة باهتة لا تحمل من التجديد شيئا، اللهمّ بعض التغييرات الطفيفة التي طرأت على الألوان. وقد شكّل ذلك "صدمةً" حقيقية لكثير من متابعي المحطّة ومعجبيها الذين انتظروا تلك اللحظة بفارغ الصبر، وتوقّعوا شكلا في مستوى "الجزيرة الإنجليزية".
للمرّة الثالثة يطلُّ المذيع الفلسطيني جمال ريان ليعلن انطلاقة قناة "الجزيرة". كانت المرّة الأولى في الأول من نوفمبر من العام 1996 في أوّل نشرة إخبارية تقدّمها القناة الإخبارية الجديدة التي لم تلبث أن استولت على المركز الأوّل بين القنوات الفضائية العربية، التي كان معظمها حكوميا، باستثناءات قليلة كتلفزيون "أم بي سي" السعودي الذي كان يبثُّ من العاصمة البريطانية لندن، وكان يتربّع على العرش حينها.
جمال ريان والحصاد المرّ
ظلّت تلك اللحظة التاريخية من عمر الفضائية القطرية التي سيزداد نفوذها وحضورها في الأحداث العربية والعالمية ويتضاعف تأثيرها على المشاهدين وصنّاع القرار لتصبح إحدى أبرز العلامات التجارية في العالم؛ محتفظة ببريق خاص. وكان على "الجزيرة" أن تستنجد مجدّدا بريان الذي كادت تفقده حين طلب الانضمام لقناة "الحرة" الأمريكية مع انطلاقتها العام 2004. أطلّ جمال ريان مجدّدا رفقة مواطنته إيمان عياد التي تدخّل أمير قطر شخصيا لإقناعها بالبقاء في القناة بعد أن ولّت وجهها هي الأخرى شطر قناة "العربية" السعودية، المنافس التقليدي الشرس لـ"الجزيرة" التي أحسّت بقوّة المنافسة واستشعرت قوّة الخطر الذي تمثّله منافستها السعودية التي كانت قد اختطفت ثلّة من ألمع إعلامييها؛ كالمذيعة الأردنية منتهى الرمحي، واللبنانية ريم صالحة، وميسون عزام وغيرهم. أطلقت "الجزيرة" حلّتها الجديدة تلك في أول يوم من شهر نوفمبر من العام 2005، أي في عيد ميلادها التاسع.
مثّل ذلك تغييرا جذريا للحلّة الباهتة التي كانت "الجزيرة" ارتدتها قبل عام واحد فقط، بعد الحلّة التي رافقتها لوقت طويل، إلى ما بعد سقوط بغداد في 2003. وهي الحلّة التي ما زالت راسخة في أذهان كثير من المشاهدين، كونها رافقت عصرها الذهبي.
ستشير الساعة بعد دقائق إلى تمام الثامنة بالتوقيت العالمي من مساء الأحد الأول من نوفمبر 2009. إنه موعد إطلاق ما وصفته "القدس العربي" اللندنية بـ"أكبر عملية تغيير في سياسات الجزيرة وبرامجها ووجوهها" وبـ"تجديد شبابها". لم يكن ذلك محض "كلام جرائد"؛ فهذا المدير العام لشبكة "الجزيرة"، وضاح خنفر، يقول بملء فمه إن الجزيرة ستجدّد إستوديوهاتها وألوانها، وإن الدورة البرامجية الجديدة ستتيح "مزيدا من التحليل المعمّق للأحداث دون ملل ولا رتابة". مضيفا، حسب موقع الجزيرة. نت، أن هذه التغييرات البرامجية "تسعى إلى مزيد من الحيوية والتفاعلية والقدرة على اجتذاب قطاعات جديدة من المشاهدين لا سيما الشباب منهم".
لا علينا. بدأ العدُّ التنازلي ولم يعد يفصلنا عن هذه اللحظة سوى ثوان معدودة. دقّت الساعة معلنة تمام الثامنة بتوقيت غرينتش وأطلّت الكرة الأرضية التي تغطس في الماء وتعاود الظهور دون ملل منذ 13 سنة، مرفقةً بموسيقى حربية مخيفة. اعتقدتُ أن في الأمر خطأٌ ما قبل أن تفاجئني موسيقى جنريك "حصاد اليوم" التي لم تكن أكثر لطفا وأقلّ إثارة للرعب. وقبل أن أستجمع تركيزي لأمسك هذه اللحظة التاريخية التي قد لن تتكرّر إلا بعد سنوات أُخر؛ أطلّ جمال ريان وإيمان عياد مجدّدا في مكان بدا أشبه بغرفة ضيّقة لاستقبال الضيوف، تتوسّطه مائدةٌ مستديرة، وكان في الخلفية خارطة متحرّكة بلون أزرق لا تبعث على الارتياح.
اصفرارٌ في العيد الثالث عشر
إذن لا يتعلّق الأمر بتغيير جذري، ولا بأكبر عملية تجديد في الأستوديوهات والبرامج والسياسات والوجوه؛ وإنما بمحض تغيير طفيف في الألوان والغرافيكس. ومن الواضح تماما أنّ القائمين على الغرافيكس السابق هم أنفسهم أصحاب الحلّة الجديدة، لأنّ لمستهم المفتقرة إلى الجمال باديةٌ بشكل واضح، كما أنّ وفاءهم للشكل السابق جعلهم لا يبتعدون كثيرا عنه. وقد كان على "الجزيرة" أن تسرّح هؤلاء أو تحاكمهم بتهمة تشويهها وتقديمها في أبشع حلّة للمشاهدين، لكنّها أعطتهم فرصة أخرى ليعيثوا فيها فسادا، فخرجوا لنا بهذا الشكل الباهت الذي لا يتقدّم إلى الأمام وإنما يعود إلى الوراء، حتى أنه خيّل إليّ وأنا أشاهد جنريك النشرات الإخبارية ونشرات الرياضة والاقتصاد والفواصل التي طغى عليها لونٌ أصفر قريب للبني، وانعدام التناسق في الألوان وفي الموسيقى؛ أنني أشاهد التلفزيون الموريتاني أو التلفزيون اليمني.
ليس هناك أستوديوهات جديدة؛ فقط نفس الأستوديو القديم الشبيه بمحلّ لبيع المواد الكهرومنزلية المستعملة المترامية في غير تنسيق، يجلس فيه مذيعٌ نعسان في "هذا الصباح" أو تذرع فيه مذيعةٌ رشيقة جيئة وذهابا في "هذا المساء". حتى إن الكرسي الأحمر هو نفسه، لم يتغيّر منذ 2005. وأعتقد أنه يستحقٌّ هو الآخر احتفالا بعيد ميلاده الرابع.
شريط الأخبار لُوّن بالأزرق هذه المرّة، ليكون أكثر شبها بشريط أخبار قناة "الحرّة".
نشرات الأخبار الرياضية والاقتصادية حافظت على كلّ شيء تقريبا. هناك مذيع يقرأ أخباره واقفا على خلفية تلفزيون كبير معلّق في حائط. وهو ما تستطيع أن تفعله إن كان عنك تلفزيون كبير في البيت.
نشرة الأخبار المغاربية لم تُلغ من الدورة الجديدة رغم أن وجودها في القناة ليس له أيُّ تبرير، فالمغرب العربي جزء من العالم العربي وليس ثمّة مبرّر لتخصيص نشرة له تُبثّث من الدوحة أو من أيّ مكان آخر. فلما هذا التقسيم إن كان بالإمكان تقديم أخبار المنطقة ضمن النشرات العادية. ثم إن عددا من دول المغرب العربي كالجزائر وتونس تمنع "الجزيرة" من التواجد في أراضيها أصلا.
مقارنةٌ سريعة بشقيقتها الإنجليزية، أو بمنافستها "العربية" تظهر أن "الجزيرة" الأم مازالت بعيدة جدا عن المستوى المطلوب من حيث الصورة التي كانت إحدى أسباب نجاحها في بداياتها منتصف التسعينات. والمشكلة أن كلّ تطوير وتجديد يأتي بشكل أسوأ من الذي قبله.
بفعل هذا الأمر باتت مشاهدة "الجزيرة" فعلا أمرا مرهقا للعين والأعصاب؛ فالصورة لا تريحك، والموسيقى تزعجك، والمذيع الذي يرفع صوته زيادة عن اللزوم ويبالغ في الإثارة بمناسبة أو بغيرها يشعرك بالخطر.
برنامجٌ ناجح ومذيع فاشل
تتضمّن الدورة البرامجية الجديدة ثلاثة برامج رئيسية هي "في العمق" الذي أُسند تقديمه للمذيع السعودي علي الظفيري، وسيبثّ مساء كلّ اثنين، بدل "من واشنطن" الذي غُيّر توقيته لوقت متقدّم من اليوم نفسه، وبرنامج "في الملف" الذي يقدّمه الإعلامي اللبناني سامي كليب، ويُبثّ مساء كلّ جمعة. وبرنامج رياضي أسبوعي يحمل اسم "دنيا الكرة" يقدّمه المذيع القطري محمد سعدون الكوراي.
"حوار مفتوح" لغسان بن جدو و"الشريعة والحياة" لعثمان عثمان و"الاتجاه المعاكس" لفيصل القاسم و"بلا حدود" لأحمد منصور لم تُلغ رغم كلّ المآخذات على البرنامج.
فغسان بن جدّو المحسوب على إيران اختطف برنامجه وخرج به عن كلّ القواعد والأخلاقيات المهنية التي عُرفت بها "الجزيرة" ودأبت على تذكيرنا بها من خلال ميثاقها المهني. (خذ مثلا حلقة سمير القنطار) وقد جعل برنامجه حكرا على الشأن الإيراني أو اللبناني- السوري ذي الصلة بالشأن الإيراني، وكأن ليس في العالم بأسره مكانٌ آخر يستحقّ حوارا مفتوحا غير إيران.
أما فيصل القاسم الذي كنتُ أحد متابعيه الأوفياء، فقد تمادى كثيرا في برنامج وحوّله إلى لقاء أسبوعي لعراك الديكة، واستعراض العضلات الكلامية والصراخ وتبادل الشتائم بين الضيفين، الذين لا يزيد صاحبنا إلا إشعالا للفتنة بينهما دون وصول إلى اتفاق، أو الخروج برؤية ما. بل إنهما غالبا ما يختمان الحلقة بموقف حرج للغاية حين يرفض أحدهما مصافحة الآخر. وبالطبع يخرج الضيفان منهزمان مهما كانت نتيجة التصويت. لأن الفائز الوحيد في النهاية هو فيصل القاسم الذي يضحك على ضحيتين، ويضحك على ذقون المشاهدين كلّ ثلاثاء.
يقول فيصل القاسم مدافعا عن برنامجه إنه يوفّر مساحة للرأي والرأي الآخر، وأن بفضله بات العرب يتحاورون ويسمعون بعضهم بعضا. والحقيقة أننا نشاهد "الاتجاه المعاكس" منذ أزيد من عشرية من الزمن دون أن نتعلّم فن الحوار، ودون أن يتعلّم الواحد منا سماع الآخر، ولا احترام رأيه.
أما أحمد منصور، المحسوب على الإخوان المسلمين، التيار المسيطر على "الجزيرة"؛ فقد اختطف برنامجه أيضا. ففضلا عن كونه يكاد يقتصر على الضيوف المصريين؛ فإننا لا نجد فيه شيئا من "روح الجزيرة". ثمّة فقط روح أحمد منصور، وكلام أحمد منصور، وآراء أحمد منصور، وقناعات أحمد منصور، وقهقهات أحمد منصور.
من المؤسف إذن أن الإلغاء طال البرنامج الحواري الأكثر رصانة وموضوعية وحيادا. أتذكّر أن سامي حدّاد كان يمنع ضيوفه من رفع أصواتهم أو التفوّه بكلمات غير مناسبة. وكان يوجّه أسئلة دقيقة ويطالب بأجوبة دقيقة.
في كلّ تغيير تفقد "الجزيرة" جزءا من بريقها، وتسرّح جزء من مذيعيها. لا أعرف من هم الإعلاميون الذين سيحزمون أمتعتهم هذه المرّة صوب قنوات أخرى، لكنني أتمنّى أن يكون المذيع المغربي محمّد رجيب أحدهم. لا أكنُّ لهذا المذيع أيّ حقد لسبب من الأسباب، ولكن سببا واحدا جعلني أتمنى ذلك منذ التحاقه بالقناة في 2005، وهو أنه الأقلّ كفاءة بين جميع زملائه، ولم يستطع فرض نفسه طيلة هذه السنوات الأربع، بدليل أن القناة مازالت تحتفظ به لنشراتها الليلية التي عادة ما يبدأ فيها المتربصون في أشهرهم الأولى. وقد رأيته قبل أيام في نشرة ليلية يجاهد في تقليد جمال ريان لكنّه فشل. لعلّه يعتقد أن النشرات التي تُبثّ في الساعات الأولى من الصباح، حينما يكون الناس نياما، هي فرصةٌ مناسبة للتدرب على الإلقاء. يبدو لي شخصا طيّبا، لكنني أتمنى أن أشاهده في التلفزيون المغربي.
سحابة نوفمبر
في التغييرات السابقة؛ كانت "الجزيرة" تبدأ بريتم قويّ وسريع ثمّ يأخذ في التباطؤ شيئا فشيئا. وببرامج جديدة تختفي بعد أشهر قليلة. ففي المرّة السابقة شاهدنا عددا من البرامج الجديدة كالبرنامج الذي يعنى بالسياحة "آفاق"، و"عين التقنية" الذي يُعنى بجديد التكنولوجيا، و"كواليس" الذي يهتم بواقع الصحافة في العالم العربي والعالم، وغيرها من البرامج التي توقّفت فجأة. وقد تكون هذه المرحلة الجديدة التي تأتي بناء على نتائج استطلاع أجرته مؤسسة "نيلسن"، الذي ألحّ على ضرورة إلغاء بعض البرامج وإدخال أخرى تعنى بشؤون المرأة والشباب؛ هي الأخرى محض تغيير روتيني، حتى لا ننسى بأن أوّل أيام نوفمبر هو عيد ميلادها.
وإن كان الاستطلاع أظهر حصول "الجزيرة" على أعلى نسبة مشاهدة من بين القنوات الإخبارية في العالم العربي وصلت إلى 70%؛ فإن ما يجب على القناة الانتباه إليه جيّدا هو أنها مهدّدة بفقد كثير من مشاهديها ما لم تقم بتغيير حقيقي يجعلها في مصاف القنوات الإخبارية العالمية، ومنها شقيقتها الإنجليزية، وليس محض صورة باهتة لقنوات عربية جاءت بعدها بسنوات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
غير مصنف |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج
نوفمبر 6th, 2009 at 6 نوفمبر 2009 1:48 م
خي في الله أرجوا توضيح الخط وتكبيره قليلا فالموضوع غير واضح في القراءة وشكرا
نوفمبر 16th, 2009 at 16 نوفمبر 2009 3:43 م
إلى السفهاء فى مصر والجزائر